انتخابات 23 شتنبر بين ضعف المشاركة وسؤال المصداقية والمحاسبة

بقلم: أحمد الزينبي
رئيس الجمعية المغربية للكرامة وحقوق الإنسان وحماية المال العام بالمغرب

لم تكن انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد استحقاق انتخابي انتهى بإعلان النتائج وتوزيع المقاعد على الأحزاب، بل شكلت محطة سياسية تستوجب قراءة هادئة ومسؤولة، بعيداً عن منطق الاحتفال بالأرقام أو محاولة تلميع الصورة السياسية للبلاد.

فالنتائج النهائية المعلنة للانتخابات التشريعية أفرزت تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا، متبوعًا بحزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدًا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدًا، وحزب العدالة والتنمية بـ54 مقعدًا، فيما حصل حزب الحركة الشعبية على 29 مقعدًا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعدًا، وحزب التقدم والاشتراكية على 19 مقعدًا، والاتحاد الدستوري على 17 مقعدًا، بينما حازت الحركة الديمقراطية الاجتماعية وتحالف اليسار على 8 مقاعد لكل منهما، وحصلت كل من جبهة القوى الديمقراطية وحزب الإنصاف على مقعدين، في حين حصل كل من حزب الديمقراطيين الجدد وحزب الوحدة والديمقراطية على مقعد واحد، وقد بلغت نسبة المشاركة على المستوى الوطني 38.08%، أي ما يقارب ستة ملايين ناخبة وناخب، مقابل 50.86% في انتخابات 2021 و42.27% في انتخابات 2016، وهو ما يجعل مستوى المشاركة أحد أبرز المؤشرات التي تستوجب قراءة سياسية وحقوقية معمقة لهذه النتائج.

ونحن اليوم لا نطعن في نتائج الانتخابات لمجرد اختلافنا مع مخرجاتها، ولا نعتبر انخفاض نسبة المشاركة دليلًا تلقائيًا على عدم قانونية العملية الانتخابية، لكننا نرى في عزوف نسبة مهمة من المواطنين عن المشاركة رسالة سياسية واجتماعية قوية لا يجوز تجاهلها، فمشاركة أقل من نصف المواطنين تستحق قراءة جادة، باعتبارها مؤشرًا على أزمة ثقة سياسية ومؤسساتية تستدعي المراجعة والإصلاح، وخاصة فيما يتعلق بقدرة الأحزاب والمؤسسات المنتخبة على استعادة ثقة المواطن، ولا سيما الشباب.

فالمشاركة السياسية ليست مجرد رقم انتخابي، بل هي ركيزة أساسية لترسيخ الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون والمؤسسات، وتعزيز أسس الدولة المدنية الحديثة القائمة على المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص. كما أن الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة تمثل شروطًا أساسية لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات ، وترسيخ مكانة المغرب واحترامه على المستوى الدولي ، وتهيئة بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار، ومن موقعنا كجمعية حقوقية ، نؤكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة إصلاح حقيقي وترسيخ للمواطنة والثقة في المؤسسات، لا مرحلة تلميع للصورة السياسية، فالمواطن المغربي يريد أن يرى أثر صوته في حياته اليومية، وأن يعرف كيف تُدبَّر أموال الشعب والصفقات العمومية، وكيف تُنفَّذ البرامج الحكومية، ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تتحول الوعود إلى نتائج ملموسة.

 إن بناء الديمقراطية الحقيقية يبدأ من جعل المواطن شريكًا فعليًا في صناعة القرار، وضمان أن صوته متساوٍ ومؤثر، وأن حقوقه وكرامته مصونة في إطار دولة القانون والمؤسسات.

نحن اليوم نطالب بفتح تحقيق جدي ومستقل في كل شبهة أو خرق محتمل شاب العملية الانتخابية، ليس بهدف إصدار أحكام مسبقة أو توجيه الاتهامات، وإنما حماية لنزاهة الاستحقاق وتعزيزًا لثقة المواطنين في المؤسسات وعليه، ندعو إلى التعامل بجدية ومسؤولية مع الشكايات والادعاءات الموثقة، وتمكين الجهات القضائية والرقابية المختصة من فحص المعطيات والوثائق ذات الصلة، بما يكشف الحقيقة ويحدد المسؤوليات وفق القانون؛ فمصداقية الانتخابات وحماية إرادة الناخبين تقتضي عدم التساهل مع أي خرق يثبت وقوعه وترتيب آثاره القانونية.

الى ذلك كشفت هذه الانتخابات أيضاً الحاجة إلى إعادة النظر في الحكامة الداخلية للأحزاب السياسية، فالحزب ليس مجرد آلة انتخابية تظهر قبل موعد الاقتراع ثم تختفي بعد إعلان النتائج، كما ان الحزب مؤسسة سياسية يفترض أن تنتج الأفكار والبرامج والكفاءات، وأن تؤطر المواطنين والشباب، وأن تساهم في تخليق الحياة العامة.

ولهذا، فإننا في الجمعية المغربية للكرامة وحقوق الإنسان وحماية المال العام بالمغرب، ندعو المشرفين على الشأن السياسي والفاعلين الحزبيين إلى تحمل مسؤوليتهم في معالجة أزمة الثقة والمشاركة من خلال ترسيخ الحكامة والديمقراطية الداخلية والشفافية المالية، وتجديد النخب، وضمان تكافؤ الفرص، وفتح المجال الفعلي أمام الشباب والنساء والكفاءات للمساهمة في صناعة القرار، لأن مصداقية العمل السياسي تبدأ من داخل الأحزاب نفسها، ولا يمكن مطالبة المواطن بالمشاركة في الانتخابات ما لم يشعر بأن صوته مسموع وأن الكفاءة والنزاهة والاستحقاق هي أساس تحمل المسؤولية والوصول إلى مواقع القرار، إن المرحلة تقتضي إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للمواطنة وللمؤسسات، وتحوّل المشاركة من مجرد واجب انتخابي إلى ممارسة ديمقراطية مؤثرة في تدبير الشأن العام.

فالحديث عن الديمقراطية لا يمكن فصله عن طريقة صرف المال العام ولهذا نطالب بتشديد الرقابة على الصفقات العمومية، وتقوية آليات التدقيق والمراقبة، وتعزيز الشفافية في المشاريع والبرامج العمومية، ونشر المعطيات المتعلقة بالإنفاق العمومي بشكل يسمح للمواطن والصحافة والمجتمع المدني والحقوقي بمتابعتها.

المواطن المغربي له الحق في معرفة أوجه صرف المال العام، والجهات المستفيدة، وتكلفة المشاريع، والنتائج التي تحققت، والمسؤوليات المترتبة عن أي اختلال أو تبذير أو تضارب مصالح يثبت بالطرق القانونية.

وسجلنا خلال المرحلة السابقة والحملة الانتخابية، أثارت تصريحات مرتبطة بمبلغ 280 مليار درهم نقاشاً واسعاً في الساحة السياسية والإعلامية، وأرقام كثيرة واتهامات لبعض أعضاء في الحكومة، كما صدرت مواقف وانتقادات من عدد من الفاعلين السياسيين، حول طريقة عرض هذه الأرقام ودلالاتها لابد من تحريك المتابعة من طرف النيابة العامة في المغرب والاستماع الى كل الأطراف.

ومن موقعنا الجمعوي والحقوقي، نؤكد أن هذا الملف يجب أن يخرج من السجال الحزبي إلى النقاش العمومي المسؤول، من خلال الكشف عن الوثائق والأرقام المتعلقة بالمال العام، والبرامج التي صُرفت فيها، ونتائجها وآثارها الاجتماعية والاقتصادية، مع توضيح الجهات التي قامت بتقييمها وآليات التقييم المعتمدة. فالمال العام هو مال الشعب، وكل رقم ومعطى يجب أن يكون قابلاً للتدقيق والمساءلة، كما ينبغي مساءلة الوزراء والمسؤولين، وفق الآليات الدستورية والقانونية، عن البرامج التي أشرفوا عليها والوعود التي قدموها للمواطنين، ومقارنة التصريحات والأرقام المقدمة خلال الحملات الانتخابية بالمعطيات الرسمية والواقع الميداني، بما يضمن الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فإذا كانت الأرقام صحيحة، فيجب توضيحها للرأي العام، وإذا كانت تحتاج إلى تصحيح أو تفصيل، فيجب تقديم التوضيحات، وإذا ثبت وجود تضليل متعمد أو مخالفات، فيجب أن يأخذ القانون مجراه، ولا بد من التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية، نحن كجمعية حقوقية لا ندعو إلى تصفية الحسابات السياسية بل نحن ندعو إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة في ضل دولة المؤسسات.

كما اننا نطالب الحكومة المقبلة بإعادة بناء الثقة، وليس فقط بتشكيل أغلبية برلمانية المغاربة يريدون حكومة تشرح قراراتها، وتنشر أرقامها، وتقبل الرقابة، وتحاسب مسؤوليها، وتحارب تضارب المصالح، وتحمي المال العام.

ورسالتنا الى شباب المغرب: لا تجعلوا العزوف وسيلتكم الوحيدة للاحتجاج طالبوا بحقكم في المعلومة، وراقبوا السياسات العمومية، حاسبوا المنتخبين، تابعوا الوعود والبرامج، راقبوا الميزانيات والصفقات والمشاريع، وانخرطوا في العمل المدني والسياسي والحقوقي، فالمشاركة ليست فقط وضع ورقة في صندوق الاقتراع.